القاسم بن إبراهيم الرسي
138
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
ولا تدبير ذي العلم القدير ، أن يريد كون بقائه ، إلا مع خلقه لمقيم إبقائه ، من مادة الغذاء ، وتركيب آلة الاغتذاء ، من الأفواه والأوعية ، وبسط الأيدي المغتذية ، لاستحالة بقاء المبقى ، مع عدم ما به يبقى ، واستنكار دوام دائم ، أو توهم قوام قائم ، جعلهما اللّه لا يدومان إلا بمديمهما ، ولا يقومان طرفة عين إلا بمقيمهما ، ثم يقطع المديم المقيم لهما عنهما ، وهو مريد مع قطعه لدوامهما ؛ لما في ذلك من الجهل الذي تعالى اللّه عنه ، وخطأ التدبير الذي بعد سبحانه منه . [ تدبير الخلق ] كنحو ما خلق من حيوان الأشياء ، الذي خلقه لا يبقى إلا بمادة الغذاء ، وجعل غذاءه لا يكون إلا ببرد الأرض « 1 » والماء ، وبما فطر سبحانه من حرارة النار والهواء ، وبما جعل من فصول السنة الأربعة ، وجعل السنة لا تكون إلا بشهورها المجتمعة ، وجعل الشهور لا تتم إلا بأيامها ولياليها ، وما قدرها اللّه عليه من تواليها ، وجعل الأيام لا تتم إلا بساعات أزمانها ، والأزمان لا تتم إلا بحركة الأفلاك ودورانها ، ثم فصل تعالى الليل من النهار ، وفرق برحمته بين الظّلم والأنوار ، لتمام ما أراد من إبقاء المدبّر ، ولينتشر في النهار كل منتشر ، في ابتغاء حاجاته ، وليسكن في الليل من فتراته ، ولم يجعل الليل والنهار سرمدا ، ولم يعرّ منهما من خلقه إلا مخلدا ، فقال سبحانه : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ ( 71 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 72 ) [ القصص : 71 - 72 ] . فجعل الليل والنهار رحمة منه ، ثم قسم تبارك وتعالى السّنة ، فجعلها أربعة أزمانا ، وفنّنها للبقاء أفنانا ، من شتاء وصيف ، وربيع وخريف ، ثم قدّر في كل فن ، ومع كل زمن ، من الأغذية ضربا ، يابسا فيه ورطبا ، لا يصلح في غيره ، ولا يتم إلا بتدبيره ، وجعل هذه الأزمنة عمودا لتناسل الحيوان ، وعلة لبقائهم إلى ما قدر
--> ( 1 ) في ( ب ) و ( د ) : إلا بالأرض .